أبي حيان التوحيدي
5
المقابسات
أحد ، لا بل قد رأيت كثيرا من أهل الأدب وأرباب القلم والمتسمين بسمة الكتابة ، والضاربين في فنون الترسل والبلاغة من لا يعرف عن أبي حيان حوجاء ولا لوجاء ، ولم يقف له من آثاره البارعة على كثير ولا قليل ، مع أنه الرجل الذي وصفه عارفو فضله من أهل الدراية والصدق من أعلام الأوائل بأنه « فيلسوف الأدباء ، وأديب الفلاسفة ، ومحقق المتكلمين ، ومتكلم المحققين وإمام البلغاء ، وشيخ الصوفية » والذي كانوا يقولون عنه « إنه فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة ، وفصاحة ومكنة ، كثير التحصيل للعلوم في كل فن ، حفظة ، واسع الدراية والرواية » فلما وقفت على هذه الحال الموجبة للأسف في أدبائنا ، والحاملة على الحزن لشبابنا ، رأيت لزاما على أن أضطلع بهذا العبء وأصدر هذا الكتاب « المقابسات » بترجمة مستفيضة لهذا الرجل المغمور « أبى حيان التوحيدي » ليعرف قارئ هذا الكتاب لمن يقرأ ؟ وقد عرضت الرجل في هذه الترجمة في المعرض اللائق بمثله من الإبانة والايضاح وأظهرت مزاياه وصفاته على ما هي عليه ، وقدمته إلى القراء على حقيقته ، واللّه يعلم كم أبليت في هذا السبيل من الشدائد والصعاب لقلة المراجع ، وسوء ما كنت أعثر عليه منها ، وازدخارها بصنوف من التحريف وألوان من التصحيف ، لأنه قلما عنى بشأنه أحد من المؤلفين القدماء حتى قال ياقوت : « ولم أر أحدا من أهل العلم ذكره في كتاب ، ولا دمجه في ضمن خطاب ، وهذا من العجب العجاب » وعند اللّه أحتسب ما عانيت ، ومنه أطلب الجزاء على ما صنعت . حسن السندوبى